الأحد، 15 ديسمبر 2013

العدل في الإسلام أهميته وحقيقته

ليست هناك تعليقات:

قيمة العدل في الإسلام

العدل والحكميُعَدُّ العدل من القيم الإنسانية الأساسية التي جاء بها الإسلام، وجعلها من مُقَوِّمَاتِ الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآنُ إقامةَ القسط - أي العدل - بين الناس هو هدف الرسالات السماوية كلها، فقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[الحديد: 25]، وليس ثمة تنويه بقيمة القسط أو العدل أعظم من أن يكون هو المقصود الأول من إرسال الله تعالى رُسُله، وإنزاله كتبه؛ فبالعدل أُنْزِلَتِ الكتب، وبُعِثَتِ الرسل، وبالعدل قامت السموات والأرض[1].
وفي تقرير واضح وصريح لإحقاق العدل وتطبيقه ولو كُنَّا مبغضين لمن نَحْكُم فيهم، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ[النساء: 135]، ويقول أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[المائدة: 8]، قال ابن كثير[2]: "أي لا يحملنَّكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كُلِّ أَحَدٍ؛ صديقًا كان أو عدوًّا"[3].
فالعدل في الإسلام لا يتأثَّر بحُبٍّ أو بُغْضٍ، فلا يُفَرِّقُ بين حَسَب ونَسَب، ولا بين جاهٍ ومالٍ، كما لا يُفَرِّقُ بين مسلم وغير مسلم، بل يتمتَّعُ به جميعُ المقيمين على أرضه من المسلمين وغير المسلمين، مهما كان بين هؤلاء وأولئك من مودَّة أو شنآنٍ.

مواقف من العدل في الإسلام

ومن المواقف التي تدلل على ما سبق قصة أسامة بن زيد مع المرأة المخزومية، فلمَّا حاول أسامة بن زيد أن يتوسَّط لامرأة من قبيلة بني مخزوم ذات نسب؛ كي لا تُقطَعَ يَدُها في جريمة سرقة، ما كان من رسول الله  إلاَّ أن غضب غضبًا شديدًا، ثم خطب خطبة بليغة أوضح فيها منهج الإسلام وعدله، وكيف أنه سوَّى بين كل أفراد المجتمع رؤساء ومرءوسين، فكان ممَّا قاله في هذه الخطبة: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْـحَدَّ، وَايْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ ‏‏فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"[4].
وقد روى الإمام أَحمد عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قال: أفاء الله  خيبر على رسول الله ، فأقرَّهم رسول الله  كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم؛ فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها[5] عليهم، ثم قال لهم: "يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخَلْقِ إليَّ، قتلتم أنبياء الله ، وَكَذَبْتُمْ على الله، وليس يحملني بغضي إيَّاكم على أن أحيف عليكم؛ قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم،وإن أبيتم فَلِي". فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا[6].
فرغم بُغض عبد الله بن رواحة  لليهود إلاَّ أنه لم يظلمهم، بل أعلنها لهم صريحة أنه لا يحيف عليهم، وما شاءوا أَخْذَهُ من أي القسمين من التمر فليأخذوه.

حقيقة العدل في الإسلام

وحقيقة العدل في الإسلام، أنه ميزان الله على الأرض، به يُؤْخَذُ للضعيف حَقُّه، ويُنْصَفُ المظلومُ ممن ظلمه، ويُمَكَّن صاحب الحقِّ من الوصول إلى حَقِّه من أقرب الطرق وأيسرها، وهو واحد من القيم التي تنبثق من عقيدة الإسلام في مجتمعه؛ فلجميع الناس في مجتمع الإسلام حَقُّ العدالة وحقُّ الاطمئنان إليها.
وإذا كان الإسلام قد أَمَرَ بالعدل مع الناس -كُلِّ الناسِ كما رأينا في الآيات الأُوَلِ- العدل الذي لا يَعْرِفُ العاطفة؛ فلا يتأثَّرُ بحُبٍّ أو بُغْضٍ، فإنه قد أمر بالعدل ابتداءً من النفس، وذلك حين أمر المسلم بالموازنة بين حقِّ نفسه وحقِّ ربِّه وحقوق غيره، ويظهر ذلك حين صدَّق رسول الله  سلمان الفارسي لمَّا قال لأخيه أبي الدرداء الذي جار على حقِّ زوجته بِتَرْكِها، ومداومة صيام النهار، وقيام الليل: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"[7].
وأَمَرَ الإسلامُ كذلك بالعدل في القول، فقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى[الأنعام: 152]، كما أمر بالعدل في الحكم، فقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ[النساء: 58]. كما أمر بالعدل في الصُّلْـح، فقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ}[الحجرات: 9].

تحريم الظلم في الإسلام

وبقدر ما أَمَرَ الإسلامُ بالعدل وحثَّ عليه، حَرَّمَ الظلم أشدَّ التحريم، وقاومه أشدَّ المقاومة، سواء ظُلْـم النفس أم ظُلْـم الآخرين، وبخاصة ظُلْـم الأقوياء للضعفاء، وظُلْـم الأغنياء للفقراء، وظُلْـم الحُكَّام للمحكومين، وكلَّما اشتدَّ ضعف الإنسان كان ظلمه أشدَّ إثمًا[8]؛ ففي الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْـمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا"[9].
ويقول الرسول  لمعاذ: "... وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْـمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ"[10]. وقال: "ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْـمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ"[11].
وهكذا هو العدل.. ميزان السماء في مجتمع الإسلام.
د.راغب السرجاني

[1] يوسف القرضاوي: ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده ص133.
[2] ابن كثير: هو أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (701- 774هـ / 1302- 1373م) حافظ، مؤرخ، فقيه، ولد في قرية من أعمال بُصرى الشام، وتوفي بدمشق، من كتبه: "البداية والنهاية". انظر: الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ ص57، 58.
[3] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 2/43.
[4] البخاري: كتاب الأنبياء، باب "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ" (3288)، ومسلم: كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره (1688).
[5] خَرَصَ: أي قَدَّر وحزَّر ما على النخيل من الثمار تخمينًا، انظر: العظيم آبادي: عون المعبود 4/344، وابن منظور: لسان العرب، مادة خرص 7/21.
[6] مسند أحمد (14996)، وابن حبان (5199) وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح. والبيهقي: السنن الكبرى (7230)، والطحاوي: شرح معاني الآثار (2856)، وعبد الرزاق: المصنف (7202)، وصححه الألباني، انظر: غاية المرام (459).
[7] البخاري: كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له (1832)، والترمذي (2413).
[8] انظر: يوسف القرضاوي: ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده ص135.
[9] مسلم من حديث أبي ذر : كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (2577)، وأحمد (21458)، والبخاري في الأدب المفرد (490)، وابن حبان (619)، والبيهقي في شعب الإيمان (7088)، والسنن الكبرى (11283).
[10] البخاري: كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (4000)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (27).
[11] الترمذي: كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية (3598) وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه (1752)، وأحمد (8030) وقال شعيب الأرناءوط: صحيح بطرقه وشواهده.
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

أول من اقترح التقويم الهجري

ليست هناك تعليقات:

أول من استعمل التقويم الهجري في الإسلام؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فالمشهور أن أول من أرخ بالهجرة في الإسلام هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة سبع عشرة للهجرة، فقد أخرج الحاكم عن الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر:إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم أرخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم: ابدأووا برمضان فقال عمر: بل المحرم، فإنه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه.
والله أعلم.
                                                                                                                 المصدر: إسلام ويب
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

مفهوم الحرية في الإسلام

ليست هناك تعليقات:

                                                  مفهوم الحرية في الإسلام 

                                   


  لقد خلق الله الإنسان حراً، وخلق بني آدم أحراراً، ليسوا بعبيد للعبيد، وهذا هو الأصل فيهم، والله عز وجل أعطى الإنسان إرادة، ومشيئة، واختياراً، فليس العبد مجبوراً على عمل، وإنما هو حر في اختياره ومشيئته، وبناء على هذه الحرية في الاختيار والمشيئة؛ يحاسبه الله عز وجل، فلو كان العبد مكرهاً مجبراً لا حرية له في الاختيار، فإن الله لا يؤاخذه على أفعاله: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فاذا فقد العبد حريته في العمل، ومشيئته في الاختيار، فصار مجبراً مكرهاً، لا يؤاخذه الله، فيكون الإكراه عذراً له في هذه الحالة فلا يأثم، وأما ما عمله باختياره، وحريته، ومشيئته، فإن الله تعالى يحاسبه عليه، وقد جاء الشرع بتحريم بيع الحر، ومن الكبائر أن يبيع الإنسان حراً فيأكل ثمنه.
وقد جعلت الشريعة للرق أسباباً معينة، ومسارات خاصة، فمن تعداها فباع حراً فإنما يأكل في بطنه نار جهنم، وقد استعبد بعض البشر بعضاً عبر التاريخ، كما فعل فرعون مع بني إسرائيل، وقد امتن الله على بني إسرائيل لما نالوا الحرية بعد استعبادهم، وقد ذاقوا ذل العبودية لفرعون وقومه فقال سبحانه: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ سورة البقرة49، وكان فرعون يمن على موسى أنه لم يستعبده كما استعبد قومه، فكان رد موسى،وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سورة الشعراء22فأنا واحد، وقومي هؤلاء جميعاً، فأين منتك عليَّ في أن لم تستعبدني، وأنا فرد واحد، واستعبدت قومي على كثرتهم وعددهم.
وجاءت الشريعة الإسلامية بوضع الآصار والأغلال، فهي شريعة تخفيف، ورفع للقيود الشاقة، ولذلك نجد فيها تخفيفاً في أحكام المكره كما قال عز وجل: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ سورة النحل106ولا تستقيم حياة الإنسان إلا إذا كان عبداً لشيء واحد وهو الله عز وجل، قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ سورة الأنعام19وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات56فالعبودية لله تعالى فقط، وعندما يصبح الإنسان عبداً لله يتحرر من أسر المخلوقات، وعندما يصبح عبداً لله فإنه يكون في غاية الحرية في نفسه، وكذلك فإن الصحابة لما خرجوا لفتوحات البلدان كان قائلهم يقول: "لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"، وقال عمر رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وقال علي رضي الله عنه: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً".
ونعى الله على أهل الكتاب أن يكونوا عبيداً لأحبارهم فقال: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ سورة آل عمران64؛ ولذلك كان أعظم البشر الأنبياء، وقد مدحهم الله بالعبودية له فقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ سورة ص17وقال عن أيوب: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا سورة ص44، وهكذا عباد الله المتقون، عباد الله الأخيار، ونبينا صلى الله عليه وسلم رأسهم، وصفه الله بالعبودية له، فقال: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ سورة الفرقان41الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ سورة الكهف1،وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُسورة الجن19.
وهكذا، فالحرية التي أعطاها الله للإنسان أعطاه إياها ليختار ما يشاء من هذه المباحات، فيأكل ما يشاء، ويلبس ما يشاء، ويتنقل حيث يشاء، ويمتهن ما يشاء من المهن، ويعمل ما يشاء من الأعمال، وكذلك يبيع ما يشاء، ويشتري ما يشاء، ويستأجر ما يشاء، ويؤجر ما يشاء، من سائر التصرفات، وهذه الحرية، وهذا الاختيار أيضاً نجده للذكر والأنثى: فالإنسان يتزوج من يشاء، وكذلك المرأة ترضى بمن تشاء، فمن شاءت وافقت على الزواج منه، ومن شاءت أن تأبى الزواج منه أبت، ولها الحرية في ذلك، قال عليه الصلاة والسلام:(لا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: كيف أذنها؟ قال: أن تسكت) وقال سبحانه: وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ سورة النساء19، وهذه الحريات التي أعطاها الله للبشر ثابتة، ومقررة وهي من العيش الكريم، وغصب الإنسان على أكلة لا يريدها أو زيجة لا يريدها ظلم، وجاء الإسلام بحرية الابتكار، فهذا الإنسان مسموح له أن يكتشف، وأن يخترع، وأن يركب، وأن يصنع، إنها أشياء مفتوحة بحرية للناس، إنه حر أن يتكلم بما في نفسه، وأن يعبر عن رأيه، وهكذا وجوه الحرية كثيرة واضحة.
ولكن من الناس من يختار أنواعاً من العبودية غير العبودية للبشر الصريحة، ولما فطن أعداء الله إلى الكيفية التي يستعبدون بها البشر أوقعوهم في أنواع من العبوديات غير قضية أن يكون في رقبته غل، ويساق بالسلاسل ليعمل في مزرعة فلان، وحقل فلان، ومصنع فلان، تلك كانت صور سابقة، كانت مشهورة بالعبودية، ولكن ابتكر هؤلاء طرقاً جديدة في فتح أبواب العبودية، بأن يكون الناس عبيداً لأفكارهم بما يهيمنون عليه من وسائل البث، عبيداً لشهواتهم بما يثيرونه فيهم من الغرائز، عبيداً للدرهم والدينار بما يجذبونهم إليه من ألوان، استعباد المال لصاحبه، وهكذا انتشرت حريات هي في الحقيقة عبوديات، حرية الغريزة فصار بعض الناس عبيداً للشهوات، فالشهوة هي التي تحركه، هي التي تقيمه، وهي التي تقعده، وهي التي تؤزه، وهي التي تسكنه، وهي التي تجعله يدفع، وتجعله يحجم، فأطلقوا للبشر عناناً في أنواع المحرمات والشهوات، فصار هذا عبداً لامرأة، وهذا عبداً لكأس ومخدر يدفع من أجله شبابه وثروته، بل ويسرق لأجل تحصيله، فصار هنا عبيد للنساء، وهناك عبيد للمخدرات والمسكرات، وفي ذاك التوجه عبيد للمال، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم)، وهنالك من هو عبد للثياب والقماش: (تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة) وهنالك من هو عبد لشخص إذا عشقه وهويه فصار معشوقه، فهو الذي يحركه، فهو يذكره في قيامه، وقعوده، وأكله، وحتى يراه في نومه، فهذه عبودية خطيرة، عبودية العشق، فيظن هذا الإنسان أنه حر ليس بعبد لأنه ليس ملكاً لفلان يسوقه من رقبته بسلسلة، ولكنه في الحقيقة عبد لهذه الشهوة، وهذه المادة.
ومن فوائد العبودية لله: أنها تحرر الناس من هذه العبوديات لغير الله، فإذا صرت عبداً لله تحررت من عبودية الشهوة، وإذا صرت عبداً لله تحررت من عبودية الدرهم والدينار، فصار الدرهم والدينار يخدمك لا أنت الذي تخدمه، ولما سئل بعض أهل العلم عن متى يكون الإنسان عبداً للدرهم والدينار ومتى لا يكون؟ فقال: إذا كان المال عنده بمثابة الحمار الذي يركبه، وبيت الخلاء الذي يدخله، فليس عبداً للدرهم والدينار، فكلهم يحتاج إلى دابة ينتقل عليها، وبيت خلاء يدخل فيه ليقضي حاجته، لكن هل الإنسان الذي يدخل بيت الخلاء والمرحاض يحب المرحاض، ويهيم به، ويفتتن به، ويعيش معه حضراً، وسفراً، ليلاً، ونهاراً في أحواله؟ كلا، إنه يحتاجه فيدخله وقت الحاجة، ثم يخرج منه، وقلبه غير متعلق به، وإذا كان له دابة يركبها فإنه يحتاجها ويتخذها ولا بد له منها، لكن قلبه ليس متعلقاً بحماره الذي يركبه، ليس يهواه، ويتيه به، ويهيم، فأما إذا صار المال بالنسبة له هو الذي يرضى من أجله، ويسخط من أجله، ويحب من أجله، ويبغض من أجله، ويعطي من أجله، ويمنع من أجله، ويعيش لأجله، فعند ذلك يكون عبداً له؛ ولذلك فإن العبودية لله تخلص شاباً من فتاة عشقها، والعبودية لله تخلص مدمناً من مخدر سقط في وحله، والعبودية لله تخلص سكراناً من خمر قد لعب بكليته ودخل في جسده، والعبودية لله تخلص الناس من التعلق بغير الله، فتجعلهم أحراراً، ولو كان بلالاً الحبشي، أو سلمان الفارسي، أو صهيباً الرومي، أو غير ذلك ممن استعبدوا في يوم من الأيام.
عباد الله:
إن مفهوم العبودية لله ينبغي أن يكون حقاً في أنفسنا، فنحب لله، ونبغض لله، ونعطي لله، ونمنع لله، ونعيش لله، ونموت في سبيل الله، وهكذا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الأخيار، وجنده الأبرار، ومن الذاكرين له آناء الليل وأطراف النهار، إنه هو الرحيم الغفار.
أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، سبحانه خلق فسوى، وقدر فهدى، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، لا إله إلا الله الحي القيوم، لا إله إلا الله، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الأمين مصطفاه من خلقه، وأمينه على وحيه، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم صل وسلم، وبارك على عبدك ونبيك محمد إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه، وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
* مفهوم الحرية عند اعداء الله .
عباد الله:
قد نفخ أعداء الإسلام في بعض الناس باسم الحرية ما يجعلونهم بذلك عبيداً لشهواتهم، وأهوائهم، ومبادئ الغرب والشرق، وهذه الأطروحات الباطلة التي يأتون بها ليلاً ونهاراً؛ ولذلك فإن الله لما أعطى للبشر حرية في التصرفات -كما قلنا- بيعاً، وشراء، واستئجاراً، وكفالة، ورهناً، وحوالة، ونحو ذلك، وأعطاهم الحرية في الطعام، واللباس، والنكاح، فإنه سبحانه  وتعالى جعل لذلك قيوداً، وفهم القيود مهم جداً لمعرفة بطلان مبدأ الحرية المطلقة.
أولاً: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ سورة الأحزاب36، فإذا هوي الإنسان شيئاً، ومال إليه، وأراد الله ورسوله عكس هذا فيجب عليه الانقياد لما أراده الله ورسوله: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا سورة النور51؛ ولذلك من المبادئ الإسلامية العظيمة لا حرية في فعل المعصية، ويجب التفريق بين الحرية وبين الحرام، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) انتهينا؛ ولذلك فلا يمكن أن يقال: أن هناك حرية في سب الله، أو أنبيائه ورسله، أو التطاول على ثوابت الدين وأحكامه وشرائعه، وليس هناك حرية في انتقاد أحكام الميراث، أو أحكام الولاية في الإسلام، أو انتقاد أحكام الطلاق، أو أحكام النكاح، ليس هناك حرية في انتقاد ما جاءت به الشريعة من الحدود؛ كحد السرقة، أو حد الزنا، ونحو ذلك، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تترك عقوبة الزاني إذا كان راضياً بفعله هو والزانية؛ لأن الله ليس براض، ولا يمكن أن يكون الربا حلالاً إذا كان المرابي والذي يدفع إليه الربا الآخذ والمعطي راضيين، لا يمكن أن يكون حلالاً إذا كانا راضيين؛ لأن الله ليس براض، ولا يمكن أن تكون المرأة حرة في طريقة خروجها، ولباسها، وتبدي ما تشاء من الزينة، وتتبرج، وتتعطر، وتمر على من تشاء من الرجال، وتمشي بأي طريقة في الأسواق، وتخلو بمن تشاء، وتفعل ما تشاء بحجة أنها حرية شخصية؛ لأن الله لا يرضى عن هذا.
وبعض الناس يفهم في ضوابط الحرية شيئاً واحداً، وهو أنك لا تضر بالآخرين، ويقول لك: حريتك تقف عند ضرري، فالتدخين عنده يمكن أن يفهم على أنه ممنوع إذا كان يضر بالآخرين؛ ولذلك يتحدثون عن التدخين السلبي، ويقول لك بالتالي: إذا كنت في بيتك وحدك فدخن أنت حر، لكن لا تدخن أمامي لأنك تضرني بأنفاسك، والخطأ في هذا أنه قال له مقراً: إذا كنت في بيتك وحدك دخن أنت حر، فهذه عبارة خاطئة شرعاً، فلا يجوز لك أن تدخن لا في بيتك، ولا خارج بيتك، لا عند الناس، ولا وحدك؛ لأن التدخين محرم، وأنت تضر نفسك.
فكثير من الناس لا يفهمون في قضية الحرية الشخصية أن الشرع يحرم ما يضر بنفس الإنسان، ويقولون: ما دام هو يضر نفسه فله أن يفعل ما يشاء، وبناء عليه إذا أغلق عليه بابه، وأخذ إبرة مخدر، وبقي في بيته لا يؤذي أحداً، ولا يخرج إلى الناس حتى يذهب مفعول المخدر، ويقوم، ويسوق السيارة بعقله فعندهم أنه حر.
وهذا والله الذي لا إله إلا هو، إنها من أكبر مكائد إبليس، ومن أبطل الباطل؛ لأنه ليس حراً، والملكان يقيدان عليه ما يفعله في قعر بيته، وحسابه عند الله يوم القيامة، وعلى من ولاه الله أمر المسلمين أن يأخذ على يديه، ولو كان يفعل ذلك؛ لأن السفيه إذا كان لا يعرف أن يقف عند حده بنفسه، ولو كان الضرر على نفسه، فإن الله يولي عليه من يوقفه عند حده، ولو كان ضرره على نفسه فقط؛ ولذلك فمن الانحرافات الحديثة أن تجد من يقول: لا تكفر أمامي، لا تسب الأنبياء والصحابة أمامي، اذهب أغلق على نفسك البيت وسب من تشاء، سب الرب، سب الدين، سب الصحابة، سب الأنبياء، افعل ما تشاء، هذا من أبطل الباطل، فكيف يقر، ويسمح له أن يسب الله، أو الدين، أو الأنبياء، أو الصحابة في بيته إذا كان لا يسمعه أحد، فلا يجوز أن يقر على ذلك؛ لأن هذا السماح بالكفر حرام، ولو كان الإنسان يفعله وحده، فالكفر لا يقر، والمعصية لا تقر حتى لو كان العاصي يفعلها وحده في بيته، أنت لا تراه لست مسئولاً عنه، ولكن لو سئلت: ما يفعله فلان في بيته الآن من المعصية، هل هي حرية شخصية؟ تقول: لا، ليس حراً أن يعمل ذلك في بيته وحده أبداً، أنت لا تدري عنه، وأنت لا تحاسبه، وله رب يحاسبه، نعم، لكن ما حكمه؟ حرام، وهل يحق له أن يفعل ذلك وحده؟ لا يحق له ذلك شرعاً، بل هو حرام، وهو آثم، ومعاقب عند الله.
وبالمناسبة لا يوجد معصية لا تتعدى إلى الغير، هذا لا بد أن يكون في قلبه نكتة سوداء، ستظهر في معاملته للناس بعدما يخرج من بيته.
عباد الله: 
لما قالت الشريعة: (لا ضرر ولا ضرار)، ما معنى ذلك؟
لا ضرر بالنفس، ولا ضرار بالغير، وبعض الناس يفهم النصف الثاني فقط: (لا ضرار)يعني: لا يجوز أن تضر غيرك.
وقوله: (لا ضرر) يعني: لا يجوز أن تضر بنفسك حتى لو كنت مع نفسك وحدك أين تذهب بهذا؟
ولذلك فإن الحرية في الإسلام مقيدة، فمن أبطل الباطل قول: الحرية المطلقة، نريد الحرية المطلقة، فنقول: لا حرية مطلقة في الإسلام، وإلا ما كان للعبودية لله معنى؛ لأن الحرية المطلقة تقتضي ألا تقيد بأي قيد، فكيف يبتلي الله الناس، هذا عبد صالح أو لا، إذا كان لم يقيد حريتهم، فمبدأ القيود على الحرية هي التي تبين هل هذا عاص، أو طائع، وكيف ستتبين قضية الصلاح والمعصية والطاعة بدون قيود.
القيود هذه لما يقال لك: لا تزني، ولا تتعامل بالربا، ولا تشرب الخمر، ولو كنت وحدك، ولا يجوز لك أن تأكل الخنزير، لو قال: آكل الخنزير وحدي أنا في البيت ما أضر أحداً، فلا يجوز ذلك، ولو كان وحده، والعبودية لله هنا تظهر أن يمتنع الإنسان عما قيده الله به، فهذه الحدود ليست فقط أشياء تضر بالغير، فالحدود أشياء تضر بالنفس أيضاً، فلو شرب الخمر في بيته، هذه حدود لله، انتهك حد الله، ولو زنا وإياها برضاها ورضاه انتهك حد الله، ولو سب الأنبياء وحده في البيت انتهك حد الله.
إذن هذا الانتهاك لحد الله يحاسب عليه الإنسان، والحريات الغربية لا تقول بهذا أبداً، فالحريات الغربية فقط تقيد بالإضرار بالآخرين، إذا أضررت بالآخرين فحريتك تنتهي، وإذا ما أضررت بالآخرين بزعمهم على تعريفهم للإضرار بالآخرين فحريتك مطلقة.
ولذلك يقولون: حرية الاعتقاد، اعتقد بما تشاء، اعتقد بحجر، بشجر، عمود كهرباء، اعتقد بما تشاء، بلا دين، تكون يهودياً، نصرانياً، بوذياً، سيخياً، هندوسياً، كن ما شئت، حرية اعتقاد، هذا غير موجود في دين الإسلام، فالإسلام يوجب على الناس أن يعبدوا الله ويسلموا له: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ سورة آل عمران85، والله عاقب أقواماً على أنهم أشركوا به، وكفروا، فعاقب قوم عاد، وثمود، وقوم لوط، وشعيب.
وكثير من الناس يتكلمون عن حرية الرأي، ويدخلون فيها حرية الكفر، ويخلطون بين حرية الفكر، وحرية الكفر، ويسمحون بحرية الكفر ضمن حرية الفكر، وأن تعتقد ما تشاء من المذاهب الضالة، ولذلك عندهم مشكلة حقيقة في حد الردة، وفي حديث: (من بدل دينه فاقتلوهوالمقصود بدينه دين الإسلام، كما بين العلماء في شرح الحديث، فيقولون: من أراد أن يخرج من الدين فليخرج، ولكن في الإسلام الذي يخرج من الدين يقتل، وإلا يصبح الدين بوابة بلا بواب، ولا راع، ولا حارس، ويجترئ الناس على ترك الدين، وعلى ترك الإسلام، وهكذا يصبح الدين ألعوبة، من شاء دخل، ومن شاء ترك.
فإن قال قائل: فما معنى قول الله عز وجل: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ سورة البقرة256؟
الجواب: معناه على ضوء الأحاديث والآيات الأخرى، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ سورة آل عمران85 وعلى ضوء حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، أن من أراد من غير المسلمين، ومن أهل الكتاب تحديداً، أن يبقى على دينه مقابل أن يدفع الجزية، ولا يدخل في الإسلام فله ذلك، لكن يقال له: إذا مت على هذا، فأنت في النار، فيجب أن تدخل، (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).   
وهذا موضوع يطول أيها الأحباب، والمقصود بيان ما هو مفهوم الحرية في الإسلام؟ وما هي قيود وضوابط الحرية في الشريعة، لأن بيان هذا الآن مهم جداً، في وقت قد ارتفعت فيه الأصوات في أنحاء مختلفة من العالم، تنادي بالحريات، فالحرية التي نريدها هي الحرية التي جاء بها الإسلام، فهناك حرية، ولكن لها ضوابط وقيود، إنها في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وليست في دساتير الغرب أن الحرية قيدها فقط ألا تضر بالآخرين، فالحرية في الإسلام قيدها أيضاً ألا تضر بنفسك، والضرر يبينه الكتاب والسنة.
اللهم إنا نسألك أن تحيينا مسلمين، وأن تتوفانا مؤمنين، وأن تلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.
اللهم اهد ضآلنا، واشف مريضنا، واقض ديوننا، واستر عيوبنا، وارحم موتانا، واشف مرضانا.
اللهم إنا نسألك الأمن والإيمان لبلدنا هذا وبلاد المسلمين، من أراد بلدنا بسوء فامكر به، واجعل كيده في نحره.
آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور، وسعي مشكور.
يا رب العالمين كن معنا ولا تكن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر هدانا إلينا، أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
1 - رواه ابن ماجه2043 وصححه الألباني في الجامع الصغير1731.
2 - رواه البخاري6970.
3 - رواه البخاري2887.
4 - رواه البخاري7288.
5 - رواه ابن ماجه2341 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 7517.
6 - رواه البخاري3017.
7 - رواه البخاري393.
8 - رواه مسلم153.
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الأحد، 1 ديسمبر 2013

واجب المرأة فى الإسلام

ليست هناك تعليقات:
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً )


حينما خلق الله آدم – عليه السلام – لم يشأ أن يتركه وحيداً ينعم بالجنة بل خلق له من نفسه سكناً له وشريكاً يساعده على إدراك لذة النعيم فكانت أُمنا حواء وحينما نزلا إلى الأرض لم تترُكهُ فشاركته حلو الحياة ومرها وتعاونت معه على تكوين الأُسرة الأولى التى كان منها هذا العالم كُله .. فرسالة المرأة جاءت مُتممة ومُكملة لرسالة الرجُل على الأرض لا  تستغنى أحدهم عن الأُخرى فى عمارة الأرض .

وإذا كان الله – سُبحانه وتعالى – قد وهب كُلاً من الجنسين خصائص مُميزه له ، وسلحهُ بأسلحة تُناسب مُهمتهُ ، فإن ذلك لا يعنى أن يستغنى أحدُهما عن الآخر  ولا يعنى طُغيان جنس بخصائصهُ ومُميزاته على الجنس الآخر ، فلكُل منهُما مجال يُحسن العمل فيه .. وطريق يأمن السير فيه إلى الغاية المرجوة .

وإذا كانت المرأة فى بعض أطوار التاريخ القديم تم إغفال حقها وأُنكرت رسالتها وعُوملت مُعاملة قاسية أساسها الأنانية والنظرة القائمة لها كمخلوق له أسلحة قوية نفاذة تستطيع بها أن تميل بالجنس الآخر إلى حيث لا يكون الخير ، فإن الإسلام بتشريعه العادل ونظرته المُنصفة وتنظيمه الدقيق للحياة فى شتى مجالاتها قضى على الرواسب الجاهلية والأوضاع الشاذة التى كانت توضع فيها المرأة وابرز لها حقوقاً وأوجب على الرجل نحوها التزامات ما استطاعت المرأة أن تظفر بها فى أرقى التشريعات الوضعية .

وإذا كان الإسلام قد خصص بعض الميادين للرجل وبعضها للمرأة فما كان ذلك سوى لكى يُكمل بعضهما الآخر كُلاً فى مهامه وواجباته كى تستقيم الحياة وتكون بأجمل وجه وقد كان الغرب يرسمون بخيالهم مُجتمع فاضل لا يعرف الخطايا ومُنضبط وأسموه ( المدينة الفاضلة ) وها هو الإسلام يُحى الخيال على أرض الواقع ويصنع الحياة الفاضلة فى ظل تشريعاته وأهدافه السامية التى لم يرقى إليها بشر ولا أى تشريع إنسانى ..

وهُنا أُحب أن أذكُر أن أُم سلمة – رضى الله عنها – قالت للحبيب – صلى الله عليه وسلم - : ( يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فلو كُنا رجالاً لغزونا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا ) فأنزل الله تعالى : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }النساء32 ..

سُبحان الله ؛ إن فضل الجهاد  ليس له حدود فهو أعظم شرف يحمل وسامهُ المُجاهد المُخلص النية لله وحدهُ ، وبالرغم من ذلك فالمرأة فى  حُسن إدارتها للمنزل وقيامها بواجبها الطبيعى المُخصص لها لا تقل شاناً عن الرجُل الواقف فى الميدان شاهراً سيفه ضد الأعداء لحماية الإسلام والمُسلمين ، فهى مصدر الأمن والسعادة الذى يلجأ إليها الرجُل من بعد يوم عمل شاق وجهاد فى الحياة من أجل أن يوفر لها ولأولادها الحياة الكريمة ، ويُفسر هذا حديث الحبيب – صلى الله عليه وسلم – حينما أرسلن المُسلمات أسماء بنت يزيد بن السكن ( وكانت تُسمى خطيبة النساء ) إلى رسول الله –  صلى الله عليه وسلم –  فقالت : ( بأبى أنت وأمى يا رسول الله ، أنا وافدة النساء إليك ، أن الله – عز وجل – بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بكِ وبإلهك ، وإنا معشر النساء محصورات ، قواعد بيوتكم حاملات أولادكم ، وانتم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل عن ذلك الجهاد فى سبيل الله – عز وجل - ، وإن أحدكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم وربينا لكم أولادكم ، أنشارككم فى هذا الأجر ؟ فالتفت النبى – صلى الله عليه وسلم – إلى أصحابه بوجهه ثم قال : هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألتها فى أمر دينها ؟ فقالوا : يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدى إلى مثل هذا ، فالتفت النبى – صلى الله عليه وسلم – إليها ثم قال : أفهمى أيتها المرأة ، وأعلمى من خلفكِ من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته وأتباعها موافقته تعدل ذلك .

ويتبين لنا من ذلك الحديث الجميل الطيب الذى تدمع له العيون وتطمئن به القلوب أن على المرأة واجباً لا يقل عن واجب الرجل فى أعظم أعماله البطولية وهى الجهاد فى سبيل الله – جل وعلا – فلولاها ما استطاع هو أن يترك أولاده ويخرج إلى الميدان ولولاها ما اعد له ما يحتاجه وهو فى كفاحه ونضاله من غذاء وكساء وما وراء ذلك من أعمال .

أذن فإن على المرأة واجب يسير جنباً إلى جنب مع واجب الرجل ، والميدان الذى يتناسب مع مواهبها واستعدادها فللمرأة من المميزات والخواص ما تتسم به عن الرجل فلا يجب أن يزج بها فى مجال هى ليست أهل له كما فعل الغرب بالمرأة وجعلها شرطية تُطارد المُجرمين ومهندسة مُنشئات تقف بجوار العمال وأيضاً أخضعها للقتال بجانب الرجال .

والمجتمع الإسلامى الأول فى بدء تكوينه وضع الرجل مع المرأة فى مقام التكليف بكل الأعمال التى ترسى قواعد المجتمع وتزيل الرواسب الماضية وتمكن المبادىْ الجديدة ، فشمرت المرأة عن ساعد الجد وشدت راحلتها وهاجرت مع الرجل إلى الحبشة ثم إلى المدينة وتحملت معه تحديات قريش فى الشُعب بحصاره الشديد وفى الإيذاء المُتكرر الذى لم تراع فيه الحرمات ، وخاضت معه المعركة دفاعاً عن دينها فتحمل المرضى وتسقى العطشى وتُضمد الجرحى ، وظهر ذلك جلياً فى أُحُد وفى كافة المعارك الإسلامية من أجل الله ورسوله ونشر دين الله القيّم ، فإن المرأة فى ظل الإسلام لها رسالتها الخطيرة وواجبها المقدس وتستطيع وهى مُتربعة على عرش مملكتها أن تورد إلى ميادين النضال المُختلفة أبطالاً شُجعاناً كما قال الشاعر :
قُم أبن الأُمهات على أساس *** ولا تبن الحصون ولا القلاعا
فهُن يدلن للقصب المذاكى *** وهُن يلدن للغاب السباعا

فتستطيع أن تسهم إسهاماً إيجابياً فى المعركة الإقتصادية بحُسن تدبيرها لمنزلها ورعاية أولادها رعاية جديه تهتم بالجواهر وتزهد فى المظاهر ، وتؤثر الأهم على المُهم وتدخر ليوم الحاجة ما تواجه به مُفاجآت المُستقبل وتجتاز به المآزق الحرجة والعقبات التى تعترض الطريق .

وتستطيع أن تُسهم بقوة فى المعركة الحربية بالتنشئة الواعية الحازمة والتوجيه الحكيم الصائب ، وحراسة القلعة الداخلية من عوادى الفتن والإشاعات ونقل الأسرار والمُشاركة بالمعركة بما يتناسب مع تكوينها وعاطفتها ، فهى تستطيع أن تكون كرفيدة الأسلمية وقد أُعدت لها خيمة فى مسجد الرسول – صلى الله عليه وسلم – تستقبل فيها الجرحى وتُمرض المرضى فى معركة الأحزاب وقُريظة ، وتستطيع أن تكون كأُم سليم وقد كانت فى حُنين مُتسلحة بخنجر سُئلت عنه فقالت : أبقر به بطن من يقربنى من الأعداء ، فتستطيع أن تكون كغير هؤلاء من سيدات الإسلام اللائي أبلين بلاء حسناً فى الحروب وتخليص الأسرى وتعميق المعانى البطولية فى نفوس الشباب .

تستطيع المرأة المُسلمة أن تُسهم بقدر كبير فى المعركة الثقافية ضد الجهل وفى المعركة الصحية ضد المرض وبخاصة فى مُحيط أُسرتها المحدودة الذى يتطلب عقلاً ذكياً ومعرفة واعية ومفاهيم صحيحة للإشراف على النشىء المُتطلع إلى القيادة والتوجيه والمُحتاج إلى التقويم والتهذيب ولحل المشاكل التى تعترض طريق الأُسرة بما أوتيت من علم وما تملك من خبرة وللإشراف الصحى بأصوله الصحيحة وقواعده الثابتة بعيداً عن الخُرافات والترهات والشعوذة والتدجيل ، تستطيع المرأة هذا وأكثر منه المُهم فى ذلك كُله إخلاصها فى أداء الواجب وحصره فى خدمة الدين والقيام بواجباتها التى شرعها الله تعالى لها وعدم التعلق بالشكليات والمظاهر أو الاهتمام بالكماليات والسفاسف .

قال الله تعالى : ( انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) التوبة41

فكُل جُهد يُبذل من الجنسين له حسابه الكامل وتقديره العادل كما أخبرنا الحق تبارك وتعالى : ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ) آل عمران 195

أسئل الله -  جل وعلا - أن يُيسر لنا الخير أينما كان وأن يُجنبنا الشر أينما كان

ويوفقنا لما يحبه ويرضاه .. آمين .. والحمدلله رب العالمين.
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الــزواج تــاج الـفــضــيـلة

ليست هناك تعليقات:

                                                     الــزواج تــاج الـفــضــيـلة



 

 الزواج سنة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: ]ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية[ [الرعد: 38] .وهو سبيل المؤمنين، استجابة لأمر الله سبحانه: ]وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم. وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنهم الله من فضله [ [النور: 32-33].فهذا أمرٌ من الله عز شأنه للأولياء بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامي -جمع أيم- وهم من لا أزواج لهم من رجال ونساء، وهو من باب أولى أمر لهم بإنكاح أنفسهم طلباً للعفة والصيانة من الفاحشة .واستجابة لأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء )) متفق على صحته.والزواج تلبية لما في النوعين: الرجل والمرأة من غريزة النكاح -الغريزة الجنسية- بطريق نظيف مثمر .ولهذه المعاني وغيرها لا يختلف المسلمون في مشروعية الزواج، وأن الأصل فيه الوجوب لمن خاف على نفسه العنت والوقوع في الفاحشة، لا سيما مع رقة الدين، وكثرة المغريات، إذ العبد ملزم بإعفاف نفسه، وصرفها عن الحرام، وطريق ذلك: الزواج.ولذا استحب العلماء للمتزوج أن ينوي بزواجه إصابة السنة، وصيانة دينه وعرضه، ولهذا نهى الله سبحانه عن العَضْلِ، وهو: منع المرأة من الزواج، قال الله تعالى: ]ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن[ [البقرة: 232] .ولهذا أيضاً عظَّم الله سبحانه شأن الزواج، وسَمَّى عقده: ]ميثاقاً غليظاً[ في قوله تعالى: ]وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً[ [النساء: 21] .وانظر إلى نضارة هذه التسمية لعقد النكاح، كيف تأخذ بمجامع القلوب، وتحيطه بالحرمة والرعاية، فهل يبتعد المسلمون عن اللقب الكنسي (العقد المقدس) الوافد إلى كثير من بلاد المسلمين في غمرة اتباع سَنَن الذين كفروا ؟!!فالزواج صلة شرعية تُبْرم بعقد بين الرجل والمرأة بشروطه وأركانه المعتبرة شرعاً، ولأهميته قَدَّمه أكثر المحدِّثين والفقهاء على الجهاد، ولأن الجهاد لا يكون إلا بالرجال، ولا طريق له إلا بالزواج، وهو يمثل مقاماً أعلى في إقامة الحياة واستقامتها، لما ينطوي عليه من المصالح العظيمة، والحكم الكثيرة، والمقاصد الشريفة، منها :1 ـ حفظ النسل وتوالد النوع الإنساني جيلاً بعد جيل، لتكوين المجتمع البشري، لإقامة الشريعة وإعلاء الدين، وعمارة الكون، وإصلاح الأرض، قال الله تعالى: ]يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً[ الآية [النساء: 1] ، وقال الله تعالى: ]وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً[ [الفرقان: 54].أي: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الآدمي من ماء مهين، ثم نشر منه ذرية كثيرة وجعلهم أنساباً وأصهاراً متفرقين ومجتمعين، والمادة كلها من ذلك الماء المهين، فسبحان الله القادر البصير .ولذا حثَّ النبي صلي الله عليه وسلم على تكثير الزواج، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (( تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة )) رواه الإمام أحمد في مسنده.وهذا يرشح الأصل المتقدم للفضيلة: (( القرار في البيوت )) لأن تكثير النسل غير مقصود لذاته، ولكن المقصود -مع تكثيره- صلاحه واستقامته وتربيته وتنشئته، ليكون صالحاً مصلحاً في أمته وقُرَّة عين لوالديه، وذِكراً طيباً لهما بعد وفاتهما، وهذا لا يأتي من الخراجة الولاجة، المصروفة عن وظيفتها الحياتية في البيت، وعلى والده الكسب والإنفاق لرعايته، وهذا من أسباب الفروق بين الرجل والمرأة .2 ـ حفظ العرض، وصيانة الفرج، وتحصيل الإحصان، والتحلي بفضيلة العفاف عن الفواحش والآثام .وهذا المقصد يقتضي تحريم الزنى ووسائله من التبرج والاختلاط والنظر، ويقتضي الغيرة على المحارم من الانتهاك، وتوفير سياجات لمنع النفوذ إليها، ومن أهمها: ضرب الحجاب على النساء، فانظر كيف انتظم هذان المقصدان العمل على توفير أصول الفضيلة -كما تقدم- .3 ـ تحقيق مقاصد الزواج الأخرى، من وجود سكن يطمئن فيه الزوج من الكدر والشقاء، والزوجة من عناء الكد والكسب: ]ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف[ [البقرة: 228] .فانظر كيف تتم صلة ضعف النساء بقوة الرجال، فيتكامل الجنسان .والزواج من أسباب الغنى ودفع الفقر والفاقة، قال الله تعالى: ]وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم[ [النور: 32] .والزواج يرفع كل واحد منهما من عيشه البطالة والفتنة إلى معاش الجد والعفة، ويتم قضاء الوطر واللذة والاستمتاع بطريقه المشروع: الزواج .وبالزواج يستكمل كل من الزوجين خصائصه، وبخاصة استكمال الرجل رجولته لمواجهة الحياة وتحمل المسؤولية .وبالزواج تنشأ علاقة بين الزوجين مبنية على المودة والرحمة والعطف والتعاون، قال الله تعالى: ]ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون[ [الروم: 21].وبالزواج تمتد الحياة موصولة بالأسر الأخرى من القرابات والأصهار، مما يكون له بالغ الأثر في التناصر والترابط وتبادل المنافع .إلى آخر ما هنالك من المصالح التي تكثر بكثرة الزواج، وتقل بقلته، وتفقد بفقده.وبالوقوف على مقاصد الزواج، تعرف مضار الانصراف عنه؛ من انقراض النسل، وانطفاء مصابيح الحياة، وخراب الديار، وقبض العفة والعفاف، وسوء المنقلب.ومن أقوى العلل للإعراض عن الزواج: ضعف التربية الدينية في نفوس الناشئة، فإن تقويتها بالإيمان يكسبها العفة والتصون، فيجمع المرء جهده لإحصان نفسه ]ومن يتق الله يجعل له مخرجاً[ [الطلاق: 2] .ومن أقوى العلل للإعراض عن الزواج: تفشي أوبئة السفور والتبرج والاختلاط؛ لأن العفيف يخاف من زوجة تستخف بالعفاف والصيانة، والفاجر يجد سبيلاً محرماً لقضاء وطره، متقلباً في بيوت الدعارة. نعوذ بالله من سوء المنقلب .فواجب لمكافحة الإعراض عن الزواج: مكافحة السفور والتبرج والاختلاط، وبهذا يُعلم انتظام الزواج لأصول الفضيلة المتقدمة .
                                         من كتاب حِرَاسَةُ الْفَضِيلَةِ.

اقرأ المزيد Résuméabuiyad

كيف يرى الله عباده الطائعين

ليست هناك تعليقات:
كيف يرى الله عباده الطائعين?
  
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين، وبعد : قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – عن المحبة:
 المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون،وهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية  محبوبهم أوفر نصيب

وليس الشأن أن تحب الله تعالى، فأنت في كل نَفَس وفي كل حركة وسكون في نومك ويقظتك مغمور بنعم الله تعالى : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ }  النحل: 53)، فالمؤمنون يحبون ربهم تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } ( البقرة:165) ولكن الشأن أن يحبك الله تعالى كما قال تبارك وتعالى عن بعض عباده: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ( المائدة:54)، فكيف يمكن أن يترقى العبد من درجة المحب إلى المحبوب؟ وما هي الأسباب التي تعينه على الوصول إلى هذه الرتبة العالية؟
لقد أجاب على ذلك الأئمة ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وذكر لذلك أسبابا منها
السبب الأول
قراءة القرآن بتدبر وتفهم لمعانيه، وما أريد به كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه. و ينبغي حين تقرأ القرآن أن تستشعر أن الله تعالى يكلمك ويخاطبك وقد أثر عن بعض السلف قوله:من أحب أن يكلمه الله تعالى فليقرأ القرآن. وتلاوة القرآن هي في حقيقتها مناجاة بين العبد وربه، قال الإمام النووي رحمه الله: ( أول ما يجب على القارىء، أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ).
فيتدبر العبد كلام الله تعالى وإذا وفق لفهم معانيه حمد الله تعالى على هذه النعمة العظيمة، قال ابن الجوزي رحمه الله: ( ينبغي لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصاله معاني كلامه إلى أفهامهم وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، بتدبر كلامه
إن السابقين من هذه الأمة أنزلوا القرآن منزلته اللائقة به كما قال الحسن بن على رضي الله عنهما: ( إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار
ولهذا فإن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم استجلب محبة الله بتلاوة سورة واحدة وتدبرها ومحبتها، هي سورة الإخلاص التي فيها صفة الرحمن جل وعلا فظل يرددها في صلاتة، فلما سُئل عن ذلك قال: ( لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم”أخبروه أن الله يحبه ” (البخاري
وليس المقصود من تلاوة القرآن مجرد القراءة بلا فهم ولا تدبر، إنما المقصود من القراءة هو التدبر، وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية فليرددها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بآية يرددها: {إن تُعَذّبهُم فَإِنّهُم عِبَادُكَ وَإن تَغفِر لَهُم فَإنّكَ أنتَ العَزِيز الحَكيمُ } (المائدة:118
وقامت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بآية ترددها وتبكي وهي قوله تعالى: { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} (الطور:27) وقام تميم الداري رضي الله عنه بآية وهي قوله تعالى: {أَم حَسِبَ الّذِينَ اجتَرَحُوا السّيِئَاتِ أن نّجعَلَهُم كَالّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَوَآءً مّحيَاهُم وَمَمَاتُهُم سَآءَ مَا يَحكُمُون }(الجاثية:21
السبب الثاني
التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها من أعظم أسباب الفوز بمحبة الرب جل وعلا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة سبحانه وتعالى” من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشىء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه “ (البخاري
وقد بين هذا الحديث صنفين من الناجين الفائزين.
الصنف الأول: المحب لله وهو مؤد لفرائض الله، وقافٌ عند حدوده
الصنف الثاني: المحبوب من الله وهو الذي يتقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أن هذا السبب موصل إلى درجة المحبوبية بعد المحبة ، بمعنى أنه يصير بهذا محبوبا لله تعالى
وقد ذكر العلامة ابن رجب رحمه الله أن أولياء الله المقربين قسمان ، فقال عن القسم الثاني: (من تقرب إلى الله تعالى بعد أداء الفرائض بالنوافل، وهم أهل درجة السابقين المقربين، لأنهم تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والإنكاف عن دقائق المكروهات بالورع، وذلك يوجب للعبد محبة الله كما قال تعالى في الحديث القدسي:”لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه “ فمن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والحظوة عنده ). والنوافل التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى هي الزيادة المشروعة من جنس أنواع الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة
السبب الثالث:
دوام ذكر الله تعالى على كل حال بالسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه “(صحيح ابن ماجه للألباني). وقال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }(البقرة:152).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” قد سبق المُفردون “قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال:” الذاكرون الله كثيراً والذاكرات “(مسلم). ولما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن شرائعَ الإسلامِ قد كثُرت عليَّ فأنبئني منها بشيءٍ أتشبثُ به قال: “لا يزالُ لسانُك رطبًا من ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ”.(صحيح سنن ابن ماجة للألبني) وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم تلك الوصية وفقهوا معناها الثمين حتى إن أبا الدرداء رض الله عنه قيل له: ( إن رجلاً أعتق مائة نسمة. قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار وأن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله عز وجل ). وكان يقول: ( الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك).
السبب الرابع
إيثار ما يحبه سبحانه على ما تحبه عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى يقول ابن القيم في شرح هذه العبارة: ( إيثار رضى الله على رضى غيره، وإن عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن، وضعف عنه الطول والبدن
وقال رحمه الله: ( إيثار رضى الله عز وجل على غيره، وهو يريد أن يفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق، وهي درجة الإيثار وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وأعلاها لأولى العزم منهم، وأعلاها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم
وهذا كله لا يكون إلا لثلاثة
1 ـ قهر هوى النفس
2 ـ مخالفة هوى النفس
3 ـ مجاهدة الشيطان وأوليائه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله وينهي النفس عن الهوى، ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على اتباعه والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملاً صالحاً
السبب الخامس
مطالعة القلب لأسمائه وصفاته مشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله بأسمائه وأفعاله، أحبه لا محالة. قال ابن القيم رحمه الله: ( لا يوصف بالمعرفة إلا من كان عالماً بالله وبالطريق الموصل إلى الله، وبآفاتها وقواطعها، وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة. فالعارف هو من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله في معاملته، ثم أخلص له في قصده ونيته
فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وأتلف شجرة الإحسان فضلاً عن أن يكون من أهل العرفان. ومن أوَّل الصفات فكأنما يتهم البيان النبوي للرسالة بالتقصير إذ لا يمكن أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم أهم أبواب الإيمان بحاجه إلى إيضاح وإفصاح من غيره لإظهار المراد المقصود الذى لم تبينه العبادات في النصوص. وثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ” إن للهِ تسعةً وتسعين اسمًا ، مائةً إلا واحدًا ، مَن أحصاها دخلَ الجنةَ “ (البخاري

فالمحبة هي ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته واعتقاد جماله وكماله وجلاله، والاعتراف بإحسانه وإنعامه .والحمد لله رب العالمين.
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

لماذا العفة يا فتاة الإسلام؟

ليست هناك تعليقات:

في هذا المقام سأعرض لكِ أخيتي إذا اخترتِ طريق العفة إشراقات من النور مضيئة وإطلالات تبهج النفوس من القرآن والسنة المطهرة، ومنها سنستشف لماذا طريق العفة هو الطريق ولا طريق غيره للفتاة المسلمة ؟



لأن العفة هي الحياء والحياء من الإيمان .

لأن العفة هي الفطرة السوية .

لأن العفة هي الحياة الطيبة .

لأن العفة هي الطريق إلى الرزق من الله بالزواج والمال أيضًا .

وقبل ذلك كله لأن العفة هي الطريق إلى رضا الله و إلى الجنة  .



1ـ وإليك هذه الآيات القرآنية :


1ـ يقول الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33].

هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجًا بالتعفف عن الحرام كما قال صلى الله عليه وسلم: 'يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء'.

عزيزتي الفتاة المسلمة .. لا تتوهمي أن طريق الشهوات هو الطريق الأسهل لإرضاء النفس والوصول إلى ما تتمنين، بل طريق العفة هو الطريق الأسهل والأضمن لهذا القصد. لماذا؟

لأن مع المتعفف عون من الله ووعد منه أيضا بالرزق والإغناء.

لقد تكفل الله بإغناء الرجال والنساء إن هم اختاروا طريق العفة النظيف: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32].


وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( ثلاثة حق على الله تعالى عونهم : المجاهد في سبيل الله و المكاتب الذي يريد الأداء و الناكح الذي يريد العفاف).

إذن فلا يقف الفقر عائقًا عن الزواج فالرزق بيد الله يزرق من يشاء بغير حساب فهل تستغني عن عون الله وكفالة الله لك بالرزق والإعفاف من أجل نزوة وشهوة سريعة تنفض في دقائق معدودة؟

2ـ يقول الله تعالى: {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء:25] قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة، {مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} يعني أخلاء، وقال الحسن البصري: يعني الصديق.

ثم تأتي الآيات بعد ذلك: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً[27]يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} [النساء:27ـ28].

إن الله يتلطف مع عباده ويريد لحياتهم الخير ويكرمهم ويطهر المجتمع ويحدد الصورة النظيفة الوحيدة التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء 'الزواج' وتصان نفوسهم بالزواج، وتحريم ما عدا ذلك من الصور.
أما ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال: ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، يريدون كل هذا الفساد وهذا الشر باسم الحرية، والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي 'تحررت' من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة يكفي لإلقاء الرعب في القلوب لو كانت هنالك قلوب.


3ـ يقول الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور:30].

ألم يكن يكفي هذا النداء من الله للمؤمنين، وإذا جاء لفظ المؤمنين فإنه للرجال وللنساء أيضًا، ولكن الله خص النساء بالآية لأهمية وقدر المرأة العظيم عند الله الشارع العظيم فقال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:31].

وهذا أمر من الله للنساء بغض البصر عما حرم الله من النظر إلى غير أزواجهن، وأيضًا أمر من الله بحفظ فروجهن، قال سعيد بن جبير: عن الفواحش، وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن.


إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف لا يهاج فيه الشهوات كل لحظة،
ولقد أمر الله الرجال بغض البصر ثم خص النساء أيضًا بآية غض البصر لتقليل فرص الغواية والفتنة والاستثارة من الجانبين، وغض البصر أدب نفسي ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على محاسن الغير كما أن فيه إغلاقًا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة [وهي البصر]، وهو الخطوة الأولى لتحيكم الإرادة ويقظة الرقابة، ثم بعد ذلك لا يبحن فروجهن إلا في حلال طيب، يلبي داعي الفطرة في جو نظيف، لا يخجل الأطفال الذين يجيئون عن طريقه من مواجهة المجتمع والحياة.


ـ يقول تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المعارج:29].

وهذه الآية تعني طهارة النفس والجماعة، فالإسلام يريد مجتمعًا طاهرًا نظيفًا تلبى فيه كل دوافع الفطرة ولكن بغير فوضى ترفع الحياء الجميل، مجتمعًا يقوم على البيت العلني والعلاقات الشرعية النظيفة الصريحة طويلة الأمد، واضحة الأهداف، مجتمعًا يعرف فيه كل طفل أباه ولا يخجل من مولده.

وفي نهاية سياق هذه الآيات يبشرنا الله بجزاء من يفعل ما ذكر في الآيات والذين هم ....... والذين هم ........... والذين هم.........

وما الجزاء؟



{أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج:35].

إذن جزاء الذين هم لفروجهم حافظون هو [أولئك في جنات مكرمون] فجزاء العفة هو الجنة أيتها الفتاة المسلمة.

2ـ عزيزتي فتاة الإسلام.... هذه وقفات مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم:


الوقفة الأولى:
هذا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ـ يصف لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشد حياء من العذراء في خدرها' [متفق عليه].


أليس لكِ في رسول الله أسوة حسنة؟ أليس حري بك أن تكوني في حياء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو رجل وأنت امرأة؟

الوقفة الثانية:

وفي بيعة العقبة بايع الرسول صلى الله عليه وسلم النساء على ماذا؟ على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يأتين ببهتان، وكانت هند بنت عتبة تراجع الرسول صلى الله عليه وسلم وترد عليه ومن هذه الردود، قال هند بنت عتبة: أوَتزني الحرة؟

وهذا سؤال استنكاري تعجبي، هذا هو حال المرأة في الإسلام عفيفة شريفة تفكر وتتعلم وتسأل، وليست كمًا مهملاً أو قطعة أثاث لا حياة فيها صماء بكماء، إنها امرأة فاعلة لها دورها في الحياة تحيا في بيتها في سياج العفة والطهر.




الوقفة الثالثة :


هذا المشهد العجيب لامرأة قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إنها من أهل الجنة.

فعن عطاء بن رباح قال: قال لي ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله ـ تعالى ـ لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله ـ تعالى ـ أن يعافيك. فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها'. [متفق عليه ].

يا فتاة هذا العصر .. إن هذه امرأة وعدها الرسول بالجنة وهي: سوداء، تصرع، تتكشف.

لقد خيرها رسول الله بين الجنة أو المعافاة من الصرع فاختارت الجنة.

ولكن أرَّقها أنها حين تصرع تتكشف، فسألت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الدعاء ألا تتكشف، لماذا؟ إنه الحياء، إنها العفة، إنها امرأة حقيقية .


وأنت أيتها الفتاة: ماذا تختارين طريق العفة والحياء الذي ينتهي بك إلى الرزق والسكن الحقيقي في الدنيا والجنة في الآخرة،أم تختارين طريق النزوة والشهوة واللذة السريعة الخاطفة التي يعقبها سواد في القلب وضنك في الحياة؟! .. فسبحان الله شتان بين النور والظلمات.

ولا تنسي قصة الكريمة العفيفة مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فرزقها الله برسول وهو عيسى عليه السلام ـ ورزقها في الدنيا الرزق الواسع الوفير، وفي الآخرة هي من أهل الجنة، إذن الحجاب والصلاة والعفة والحياء هم سبب الرزق بالزواج والسكن والاستمتاع الحقيقي النظيف، أما اتباع الهوى واتباع المتحررات من الشرق والغرب
اقرأ المزيد Résuméabuiyad